17/05/2026
وُلد في قرية صغيرة، تتكئ على سفح جبل،تنام باكرًا مع غروب الشمس...وتستيقظ باكرا مع صياح الديكة.
هناك، كانت الحياة بسيطة حدّ القسوة أحيانًا، لكنّها واضحة.
الناس يعرفون بعضهم، والأبواب لا تُغلق إلا خوفًا من الريح، لا خوفًا من البشر.
وكان الأطفال يكبرون على كلمات محددة:
“الحلال بيّن، والحرام بيّن”
“السمعة رأس المال”
“والمدينة… عالم آخر.”
كبر الفتى وهو يسمع عن “الحضارة” كما يسمع الناس عن مدينة أسطورية في كتب قديمة.
لم يرها، ولم يفهم معناها، لكنه كان يشعر أنها شيء ينقصه.
في المدرسة الريفية لم تكن هناك حضارة، فقط جدران متشققة ومدرسون متعبون وأحلام مؤجلة.
حتى عندما دخل المعهد في المدينة الصغيرة القريبة، لم تتضح الصورة.
كان كل شيء محافظًا في الظاهر:
اللباس، الكلام، الخطب، النصائح...
لكن في الداخل كان مجتمعًا يأكله الكبت، يخاف من الحقيقة ويعيش الازدواجية.
كان الجميع يتحدث عن الفضيلة، لكن كثيرين يمارسون العكس في الخفاء.
وكان الفتى يرى ذلك دون أن يفهمه تمامًا.
شيئًا فشيئًا، بدأت فكرة غريبة تُزرع داخله:
أن الحضارة تعني التحرر من كل شيء
من القيود
من الخوف
من الأخلاق أحيانًا.
وصار يحلم بالمدينة الكبرى…
المدينة التي يراها أهل قريته جنة الأرض.
هناك حيث الأضواء لا تنطفئ، والنساء جميلات، والمال سريع، والحياة بلا حساب.
لكن قبل أن يصل إليها، سقط أولًا في الحب.
أول حب في عمر القرى يكون كارثة أو معجزة.
وكانت كارثته.
دخل قلبه فتاة ظنها نقية مثله، فسلّمها كل شيء:
خوفه، براءته، أحلامه الصغيرة.
ثم اكتشف أنها كانت تلعب فقط، تتنقل بين القلوب كما تتنقل الفراشات بين الزهور.
تركته مكسورًا لأول مرة.
ومن يومها تغيّر شيء داخله.
صار الحب عنده معركة، لا سكينة.
وصارت المرأة في نظره انتقامًا مؤجلًا من تلك الأولى.
مرت السنوات ثقيلة، حتى جاء اليوم الذي اتخذ فيه قراره الكبير:
أن يترك الدراسة ويسافر إلى المدينة التي حلم بها طويلًا.
لم يكن يحمل هدفًا حقيقيًا
لا شهادة
لا مشروعًا
لا خطة للمستقبل.
كان فقط يريد أن يرى “الحضارة”.
وصل المدينة كمن يدخل فيلمًا لأول مرة.
الأنوار، الضجيج، المقاهي، العطور، النساء، الموسيقى…
كل شيء كان مبهرًا لطفل القرية القديم الذي ما زال مختبئًا داخله.
في البداية شعر أنه وُلد من جديد.
نسي القرية، ونسي النصائح، ونسي وجه أمه وهي توصيه ألا يضيع نفسه.
دخل عالم العلاقات العابرة
يتنقل من امرأة إلى أخرى
كأنه يثأر من جرح قديم لا يلتئم.
كل ليلة كانت تبدو انتصارًا
وفي كل صباح كان يشعر بفراغ أكبر.
ومع مرور السنوات، صار يكتشف شيئًا مرعبًا:
أن المدينة ليست كما تخيل.
وأن الحضارة التي حلم بها لم تكن إلا قشرة لامعة تخفي تعب الأرواح.
رأى بشرًا يملكون كل شيء لكنهم لا يعرفون النوم.
رأى نساء يضحكن كثيرًا ويبكين وحدهن.
ورأى رجالًا يركضون خلف المال حتى فقدوا أبناءهم وقلوبهم.
أما هو، فقد بدأ الشيب يزحف إلى رأسه بهدوء.
وفي إحدى الليالي، بينما كان ينظر إلى صورته في مرآة شقته الباردة، سأل نفسه لأول مرة بصدق....ماذا ربحت؟
تذكّر القرية.
تذكّر رائحة الخبز، وصوت المغرب، ووجه أبيه المتعب، وخوف أمه عليه.
تذكّر ذلك الطفل الذي كان يخجل حتى من النظر الطويل في عيون البنات.
أين اختفى؟
حينها فقط فهم الحقيقة المؤلمة:
أنه لم يكن يهرب نحو الحضارة
بل كان يهرب من نفسه.
وفهم أيضًا أن أكبر احتلال لا يكون للأرض…
بل للفكر.
حين يُقنعون إنسانًا بسيطًا أن قيمه تخلّف، وأن الطهارة ضعف، وأن الانفلات حرية.
فيترك جذوره بيده، ثم يكتشف بعد عمر كامل أنه صار غريبًا عن كل شيء:
عن قريته
وعن المدينة
وعن نفسه.
وفي آخر العمر، لم يعد يتمنى شيئًا كبيرًا.
لا النساء
ولا السهر
ولا أوهام المدينة.
كان فقط يريد راحة تشبه تلك التي عرفها طفلًا…
حين كان ينام في بيت طيني صغير،
وقلبه ما يزال نظيفًا.