14/03/2026
يقدم النص القرآني في سورة الملك مشهدًا تأمليًا لافتًا عندما يدعو الإنسان إلى النظر في السماء والظواهر التي تحدث فيها. تقول الآية: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. هذه الآية تبدو للوهلة الأولى وصفًا بسيطًا لحركة الطيور في السماء، لكنها تحمل في بنيتها اللغوية إشارة عميقة إلى نظام خفي من القوى الطبيعية التي تجعل الطيران ممكنًا.
لفهم هذا المشهد بشكل أعمق يمكن الاستفادة من القراءة المعاصرة التي قدمها المفكر السوري محمد شحرور لمفهوم “الرحمن”. فقد حاول شحرور أن يقرأ هذا الاسم الإلهي باعتباره إشارة إلى نظام القانون الكوني الثنائي التي تحتوي على الأضداد التي تحكم الطبيعة. وفق هذا التصور، يشير إلى شبكة القوانين والأنظمة التي تدير الكون وتسمح بانتظام الظواهر الطبيعية، مثل الجاذبية و الثقل وحركة الذرّة سالب و موجب وحركة الهواء خافض ورافع وغيرها من الظواهر التي لا يراها الإنسان مباشرة لكنها تؤثر في كل شيء.
عند العودة إلى الآية نجد أن النص يصف حركتين فقط للطيران: “صافات” و“يقبضن”. من الناحية اللغوية تعني كلمة صافات بسط الأجنحة، بينما تشير كلمة يقبضن إلى ضم الأجنحة أو تحريكها. المثير أن علم الطيران الحيوي الحديث، المعروف في الإنجليزية باسم Biomechanics of Flight، يبين أن الطيور في الجو تعتمد أساسًا على نمطين رئيسيين من الحركة: الانزلاق الهوائي والرفرفة.
الانزلاق الهوائي يسمى في الفيزياء Gliding، وهو حالة تبسط فيها الطيور أجنحتها دون رفرفة مستمرة وتستفيد من تيارات الهواء الصاعدة. أما الحركة الثانية فهي الرفرفة أو Flapping Flight، حيث تنقبض الأجنحة وتتحرك لتوليد قوة الدفع والرفع. من اللافت أن النص القرآني اختزل هذه الميكانيكية المعقدة في حركتين بسيطتين تتوافقان مع هذين النمطين الأساسيين للطيران.
لكن الآية لا تكتفي بوصف الحركة، التي يراها ويفهما كل انسان, بل تطرح سؤالًا أعمق: ما الذي يبقي الطيور في السماء أصلًا؟ تقول الآية: ﴿ما يمسكهن إلا الرحمن﴾. من منظور الفيزياء الجوية يمكن فهم هذا التعبير بوصفه إشارة إلى نظام القوى الذي يسمح للطيران. في علم الطيران توجد أربع قوى أساسية تتحكم في حركة الأجسام في الهواء، وهي ما يعرف في الإنجليزية باسم Lift (قوة الرفع)، و**Weight** (الوزن الناتج عن الجاذبية)، و**Thrust** (قوة الدفع)، و**Drag** (مقاومة الهواء). التوازن بين هذه القوى هو الذي يسمح للطائر بالبقاء معلقًا في الجو.
غير أن الطيور الكبيرة مثل النسور أو اللقالق لا تعتمد فقط على رفرفة الأجنحة للبقاء في الهواء، بل تستخدم ظاهرة فيزيائية دقيقة في الغلاف الجوي تسمى Thermal Updraft أو التيارات الحرارية الصاعدة. هذه الظاهرة تحدث عندما تسخن الشمس سطح الأرض فيسخن الهواء القريب منها ويصبح أخف من الهواء المحيط، فيرتفع إلى الأعلى على شكل أعمدة هوائية صاعدة. تستغل الطيور هذه الأعمدة لترتفع في السماء دون استهلاك طاقة كبيرة، ولذلك يمكن رؤية بعض الطيور تحلق لساعات طويلة بأجنحة ممدودة تقريبًا دون رفرفة واضحة.
اللافت في هذه الظاهرة أن الإنسان القديم لم يكن قادرًا على رؤية هذه التيارات الهوائية أو فهمها، لأنها غير مرئية للعين المجردة. لم يبدأ فهمها علميًا إلا مع تطور علم الأرصاد الجوية والديناميكا الهوائية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومع ذلك فإن النص القرآني يركز على فكرة وجود نظام مجرّد Abstract System غير مرئي يمسك الطيور في السماء. هذه الفكرة تتوافق مع تصور القوانين الفيزيائية التي تعمل في الخلفية دون أن يلاحظها الإنسان مباشرة.
في الواقع، دراسة الطيران الطبيعي للطيور كانت أحد مصادر الإلهام الأولى لتطوير علم الطيران الحديث. ففي القرن التاسع عشر قام العالم الألماني Otto Lilienthal بدراسة حركة الطيور بشكل مفصل، واستخدم ملاحظاته لتطوير أول الطائرات الشراعية البشرية. لاحقًا استفاد رواد الطيران مثل Orville Wright وWilbur Wright من هذه الدراسات لفهم كيفية توليد قوة الرفع والتحكم في الطيران.
عند قراءة الآية في هذا السياق يمكن فهمها كدعوة للتأمل في هذا النظام الخفي. النص يبدأ بسؤال: “أولم يروا”. أي أنه يحث الإنسان على الملاحظة المباشرة. ثم يصف حركة الطيور في الهواء، وينتهي بالإشارة إلى وجود نظام يمسكها في السماء. وفق القراءة المعاصرة التي تربط مفهوم “الرحمن” بنظام القوانين الكونية، يمكن فهم الآية على أنها تذكير بأن الظواهر الطبيعية التي تبدو بسيطة أمام أعيننا تعتمد في الحقيقة على شبكة معقدة من القوانين الفيزيائية التي تحكم الكون.
وفي آخر المطاف يأتي و يخبرني احد الملحدين بأن القرآن صناعة بشرية .....