02/08/2026
في 4 أغسطس عام 1578م، اندلعت معركة شهيرة كانت سببا في بداية أفول عهد الإمبراطورية البرتغالية، التي كانت تسيطر حينها على مناطق واسعة من العالم، بعد أن منيت بهزيمة قاسية على أيدي المسلمين، كانت السبب في أفول الإمبراطورية البرتغالية وانكسار هيمنتها.
تعود جذور الأحداث إلى الصراعات الداخلية المتكررة بين الدولة الوطاسية التي حكم شمال المغرب والسعديين الذين حكموا الجنوب (والذين يدعون نسبهم إلى آل بيت الرسول ﷺ).
استطاع السعديون القضاء على الحكم الوطاسي ومقاومة النفوذ البرتغالي، واستعادة بعض حصونهم ومدنهم الشمالية. خاف السعديون من قوة الخلافة العثمانية وأساطيلها التي حررت سواحل شمال افريقيا وطرد الإسبان من الجزائر وتونس وطرابلس بناء على طلب سكان تلك المناطق، فعملوا على نسج علاقات وثيقة مع الصليبيين في إسبانيا والبرتغال لحماية العرش المغربي المتداعي من التقدم العثماني، وذلك باعتبارهم أبرز أعداء الخلافة العثمانية في أوروبا والبحر المتوسط.
وشهد عهد السلطان السعدي الثالث "عبد الله الغالب بالله" أول التشققات الداخلية في البيت السعدي، حين لجأ شقيقيه عبد الملك وأحمد المنصور إلى الخلافة العثمانية في الجزائر وتونس طالبين منهم المساعدة الكبيرة والدعم العسكري لخلع أخيهم من العرش السعدي لتعاونه مع الإسبان والبرتغاليين، وغضب الأهالي من فساد سياسته.
لكن السلطان عبد الله الغالب بالله تجاوز هذه المناورة من إخوته، بإقامة علاقات دبلوماسية هادئة مع الخلافة العثمانية.
ولكن ما أن رحل الغالب بالله عام 1574م (982 هـ)، حتى خلفه ابنه "محمد المتوكل على الله"، فكان ذلك بداية لدخول المغرب مرحلة حاسمة من تاريخه، لا سيما أن الحاكم الجديد اتخذ سياسة التقرب من الدول الصليبية ومسالمتها، والتعاون معهم ضد الخلافة العثمانية بالجزائر، لا سيما بعد انتصار العثمانيين الحاسم على الاحتلال الإسباني في تونس.
مما دفع عمَيه "عبد الملك" و"أحمد المنصور" للجوء إلى الخلافة العثمانية بقيادة السلطان "مراد الثالث" لطلب الدعم لإزاحته ابن أخيهم الخائن، عقاباً على تحالفه مع الكفار ضد المسلمين، وتنكيله بهم.
وبالفعل، أمدت الخلافة العثمانية الأخوين بجيش بقيادة والي الجزائر "رمضان باشا" قوامة 15,000 جندي، وانطلقوا نحو المغرب حيث استطاعوا هزيمة جيش المتوكل البالغ 60,000 مقاتل في "معركة الركن" عام 1576م. فجرى تنصيب عبد الملك ملكاً على المغرب، وأقر بتبعيته الأسمية للخلافة العثمانية، واعتمد على النظم والأساليب العثمانية في تطوير وإعادة تنظيم جيشه وإدارته.
أما "محمد المتوكل"، فقد فرّ إلى إسبانيا ثم إلى البرتغال مستنجداً بملكها "سيبستيان الأول"؛ حيث اتفقا على مساعدته لاستعادة عرشه مقابل تمكين البرتغال من السيطرة على سواحل المغرب الأطلسية وتقسيم البحر المتوسط مع إسبانيا وتحويل المغرب لدولة برية تحت حمايتها.
حشد الملك "سيبستيان الأول" حملة صليبية ضخمة واستعد لها منذ ثلاث سنوات، حظي فيها بمساعدات من خاله فيليب الثاني ملك إسبانيا بدعمه بـ 50 سفينة حربية و5,600 جندي مشاة وثلث المصروفات، إلى جانب وحدات بابوية وإيطالية وألمانية وحتى فرنسية، وانضم إليهم المتوكل بأتباعه؛ ليرتفع مجمل جيشهم الجرار إلى 80,000 مقاتل و360 مدفعاً (في حين تقدرهم المصادر البرتغالية وفقا لما نشرته وزارة الدفاع البرتغالية بنحو 23 ألف فقط).
وفي المقابل، تولى والي الجزائر العثماني "رمضان باشا" القيادة المباشرة للميدان بتكليف من "الديوان" لسعة معرفته بشؤون المغرب، وحشد جيشاً مكوناً من 30,000 جندي عثماني انضموا إلى حوالي 30,000 جندي مغربي من الوحدات التابعة لـ عبد الملك، وتقدر المصادر المغربية القوات المسلمة بنحو 50-60 ألف جندي.
غادر سيباستيان البرتغال في 4 يونيو 1578م، وأنزل قواته في ميناء أصيلة. حينها، أرسل له السلطان عبد الملك رسالة يدعوه فيها الانتظار مكانه، قائلاً: "إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك، وجوازك العدوة، فإن ثبت إلى أن نقدم عليك فأنت نصراني حقيقي شجاع، وإلا فأنت كلب بن كلب". فسقط سيباستيان في الفخ وتوقف في موقعه بأصيلة. وفي هذه الأثناء، التحمت القوات المغربية بقوات رمضان باشا.
وعندما التقى الجيشان عند سهل وادي المخازن، وعلى الرغم من القلق الشديد للسلطان عبد الملك خشية عدم صمود جيشه أمام الجمع الصليبي الضخم، والتفوق التكنولوجي والقوة النارية للبرتغاليين؛ تمكن المسلمون من تطويق القوات الصليبية عبر هجوم مشترك.
ولكن خلال المعركة، وقعت المفاجأة المريرة؛ إذ انتهت حياة السلطان عبد الملك فجأة داخل خيمته، فأُخفي الخبر كليا عن الجنود لضمان ثبات الصفوف، وتولى أخوه أحمد المنصور قيادة الفرسان واستكمال عملية التطويق. وانتهت المعركة بعد أربع ساعات وثلث بانتصار إسلامي ساحق وإبادة حاسمة للجيش الصليبي.
حيث قُتل الملك البرتغالي سيباستيان ومعظم نبلاء إمبراطوريته، وقُدّرت خسائر العدو ما بين 8,000 إلى 20,000 قتيل، و15,000 إلى 40,000 أسير، وغنم المسلمون العديد من المدافع، فيما فرّ من تبقى منهم بشكل مشتت نحو الأسطول على الساحل.
أما "المتوكل" الخائن فقد حاول الهرب، لكنه غرق في مياه وادي المخازن؛ ولذلك سُميت المعركة بـ "معركة الملوك الثلاثة" لمصرع ثلاثة ملوك فيها هم: عبد الملك، وسيباستيان، والمتوكل.
ولم تتوقف المعركة عند البر؛ بل طارد رمضان باشا فلول العدو حتى ساحل الأطلسي، وأعطى الأمر للأسطول العثماني بقيادة "سنان رئيس" بالهجوم، فانكسر الأسطول البرتغالي - الإسباني وغرقت الكثير من سفنه وهلك الآلاف منهم، بينما أنقذ البحارة العثمانيون 500 منهم وانتشلوهم من الماء دون أن يخسر الأسطول العثماني سفينة واحدة.
بعد الانتصار، بويع "أحمد المنصور الذهبي" ملكاً على المغرب، واعتبر عهده الذي استمر 25 سنة من أعظم وأقوى فترات تاريخ المغرب؛ وحافظ على علاقة جيدة مع الخلافة العثمانية ومد نفوذه جنوباً حتى نهر النيجر.
وفي المقابل، أدت الهزيمة الماحقة للبرتغال ومقتل ملكها سيبستيان دون وريث إلى انهيارها، فظهر مدعين للتاج البرتغالي، أبرزهم الملك الإسباني "فيليب الثاني" الذي استغل وجود روابط عائلية مع العائلة الملكية البرتغالية، واحتل البرتغال بعد سنتين فقط من المعركة.
أنشأ "فيليب الثاني" ما عرف بالاتحاد الإيبيري، الذي أخضع البرتغال للسيطرة الإسبانية، مع ما رافق ذلك من فقدان البرتغال كثيرا من مستعمراتها، لا سيما في شمال أفريقيا.
ومع أن البرتغال استقلت عن إسبانيا عام 1640م (1050 هـ)، واحتفظت ببعض مستعمراتها، وحاولت بعد ذلك العودة إلى الساحة الدولية، فإنها تراجعت كثيرا، ولم تعد قادرة على منافسة قوى استعمارية أخرى كفرنسا وبريطانيا.
المصادر:
كتاب معركة وادي المخازن بين الملوك الثلاثة، يونس نكروف
كتاب وادي المخازن معركة الملوك الثلاثة، شوقي أبو خليل
كتاب الدولة العثمانية، يلماز أوزتونا ج1 ص383-389
#المغرب #معركةـوادالمخازن