28/01/2025
قال لي أحد السناجب : كيف تضحي بــ 50 ألف من أجل تحرير عدد محدود من الأسرى !.
وجدته يحسب الأمور بنظرة عين السنجاب المحدودة .
فأردت أن أرد عليه من بطن تاريخنا المجيد, وبالتحديد من تاريخ المنصور بن أبي عامر البطل الشديد .
زار أحد رُسُل المنصور مملكة "نافار" ( في إسبانيا حاليا) وكانت تدفع الجزية للحاجب المنصور الأموي.
ومما زاره كنيسة من الكنائس القديمة في المملكة, وبينما هو يمر وجد امرأة مسلمة سجينة بها منذ زمن طويل !.
قالت له أن يبلغ رسالة منها إلى الحاجب المنصور بن أبي عامر, فأبلغ الرسالة وكان نصها ( أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسها، ويتمتَّع بلبوس العافية وقد نضت لبوسها، وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة، وبكل ذل وصغار ملبسة، وناشدته الله في إنهاء قصتها، وإبراء غصَّتها، واستحلفته بأغلظ الأيمان …. ) .
فلما عاد إلى المنصور وتحدث معه أولا في أمور التجارة والسياسة ثم في نهاية حديثه قال له عن قصة المرأة السجينة بالكنيسة .
غضب المنصور منه وقال له ( لما لم تحدثني بأمر المرأة الأسيرة في بداية الكلام ) !.
أعن المنصور النفير ونادى المؤذن حي على الجـــ hـــــاد فخرج جيش لم يخرج عدد مثله من قبل حتى أن المنصور كان يرد الناس من كثرة عددهم (الشعب كله يريد تحرير أسيرة واحدة ) .
ولما وصل بجيشه إلى مملكة نافار ورآه ملكها "ابن شانجة" تملكه الرعب وأقسم بأغلظ الأيمان أنه لم يفعل شيء فطالبه المنصور بالأسيرة وقال له قد عاهدتك أن لا يبقى في بلادك أسيرة ولا أسير ولو كان لحم في حواصل النسور .
فقال له ملك نافار : والله لم أعلم بأمرها يا سيدي وقد أخرجتها معززة مكرمة مع الحرس الملكي إلى أن تصل إلى دارها معززة مكرمة ليس هذا فحسب بل أمرت بهدم الكنيسة حجرا حجرا حتى لم يبق منها شيء ينفع … ثم ذهب يعتذر ويتحسر ويتعهد أن لا يتكرر ما حدث .
والقول هنا : هل كان الملك المنصور لا يفقه في الأمور العسكرية وفي السياسة حين أخرج جيشه كله من أجل أسيرة واحدة ؟!.
كان يمكنه أن يأت بها برسالة ورقية لكنه جيش الجيوش حتى يؤدب هؤلاء الوحوش .
كان من الممكن أن تمتد الحرب وتتحالف الممالك النصرانية عليه ويفنى جيشه كله وكان من الممكن أن تصير حربا بين دولة الأندلس والعالم النصراني كله لكن الملك المنصور الأسد الهصور لم يحسب لكل ذلك حساب وما شغله إلا أمر سيدة واحدة في سجون العدو .
كرامة فرد من الأمة هي كرامة للأمة كلها والكرامة تستحق أن نضحي لأجلها بالغالي والنفيس ولو فنى فيها مليون منا يكون هينا أمام وجود أخت لنا في أيديهم .
هكذا الرجال يا رخيص يضحون بأرواحهم لأجل الكرامة وهو شيء لا تعرفه قواميسك المنبطحة .
المصدر : كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
✍️محمد الفاتح