17/06/2026
ظلال الإستعمار وفجر التحرر: قراءة في صورة من شوارع سوق أهراس عام 1956
الصور التاريخية ليست مجرد لقطات عابرة حبسها الضوء داخل إطار، بل هي وثائق حية تنطق بتفاصيل حقبة بأكملها، وتختزل صراع الإرادات بين سلطة إحتلال تحاول فرض وجودها، وأرض تغلي تحت أقدامها طموحا للحرية.
تجسد هذه الصورة النادرة الملتقطة عام 1956 في مدينة سوق أهراس (طاغاست التاريخية) مشهدا بليغا من كفاح الشعب الجزائري، وتحديدا في أحد أكثر الشوارع حيوية، والذي يرجح أنه كان يحمل اسم "فيكتور هيغو"، قبل أن تعيد الثورة صياغة هويته ليصبح اليوم "نهج جيش التحرير الوطني".
تظهر الصورة أربعة عسكريين بزيهم الرسمي الكامل وهم يسيرون بثقة واضحة في وسط الشارع، الملامح الحازمة، والخطوات الثابتة، والبدلات العسكرية المنضبطة تعكس المحاولة المستمرة للمستعمر الفرنسي لإظهار السيطرة التامة وإستعراض القوة وإقرار "النظام" في وقت كانت فيه جبال الأوراس والشرق الجزائري تشتعل ضراوة.
وفي الخلفية، تظهر معالم الحياة اليومية للمدينة الكولونيالية:
الهندسة المعمارية: المباني ذات الطابع الأوروبي بشرفاتها الكلاسيكية، والتي تشهد على محاولة "فرنسة" الحجر والشجر.
حركة الشارع: لقطات عابرة لسيارات قديمة تعود لخمسينيات القرن الماضي، ومارة يرقبون المشهد بريبة وهدوء حذر.
يسير الجنود في مقدمة الصورة، بينما تبدو ملامح الحياة في الخلفية مستمرة، لكنها مشحونة بترقب ما ستؤول إليه الأحداث في هذا العام المحوري من عمر الثورة التحريرية (1956)، وهو عام مؤتمر الصومام وتصاعد العمليات الفدائية في المدن.
تكتسب الصورة عمقا إستثنائيا عند ربطها بتحول إسم المكان، فالسير في نهج كان يخلد رمزا من رموز الثقافة الفرنسية (فيكتور هيغو) يمثل في حد ذاته وجها من أوجه السيطرة الثقافية والجغرافية.
لكن التاريخ كان يخبئ للمكان فصلا آخر، فذات الشارع الذي تباهى فيه هؤلاء الجنود ببدلاتهم العسكرية، سيحمل لاحقا إسم "جيش التحرير الوطني"، هذه التسمية الحالية ليست مجرد لافتة بلدية، بل هي إعلان إنتصار نهائي، وتحول جذري في الهوية والمآل:
"لقد رحل الجنود وبقيت الأرض لأصحابها، وتحول الشارع من تمجيد الثقافة الكولونيالية إلى تخليد البنادق التي طردتها."
لم تكن سوق أهراس مجرد مدينة عادية في حسابات الاحتلال عام 1956، بل كانت عمقا استراتيجيا محاذيا للحدود التونسية، وشريانا حيويا لتدفق السلاح والتموين عبر "قاعدة الشرق".
إن وجود هؤلاء العسكريين في الصورة، وبهذا المظهر الاستعراضي، يعكس الأهمية الأمنية القصوى التي أولتها الإدارة الإستعمارية للمدينة لمحاصرة قوافل المجاهدين وضبط منافذها، وهو ما يجعل من الصورة تجسيدا بصريا لسياسة "القبضة الحديدية" التي فشلت في نهاية المطاف أمام إصرار وعزيمة الفدائيين والمجاهدين في المنطقة.
تظل هذه الصورة وثيقة بصرية غاية في الأهمية، إنها تلخص "وهم الدوام" الذي عاشه المستعمر في لحظة قوة، وتؤكد في الوقت ذاته أن الأقدام التي وطأت أرصفة سوق أهراس بزيلها العسكري لم تكن سوى عابر سبيل في سفر التاريخ الجزائري الحافل، اليوم، ينظر أبناء الجزائر إلى هذه الصور لا بمرارة الهزيمة، بل بفخر الانعتاق، مستذكرين أن الشارع الذي كان يوما مسرحا للإستعراضات الفرنسية، أضحى اليوم شريانا ينبض بأسماء أبطال التحرير.