القل، حضارة و تاريخ Collo, une civilisation et une histoire

القل، حضارة و تاريخ Collo, une civilisation et une histoire مرحباً بكم في صفحتنا لاكتشاف تاريخ و تراث منطقة القل من خلال محتوى مميز وراقي.

لغز تاريخي من القلتظهر في الصورتين شخصيتان بارزتان من أبناء منطقة القل، جمع بينهما النضال في فيدرالية جبهة التحرير الوطن...
08/08/2026

لغز تاريخي من القل

تظهر في الصورتين شخصيتان بارزتان من أبناء منطقة القل، جمع بينهما النضال في فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا.

الأول من بني إسحاق، حفيد أحد كبار المقاومين، ودبلوماسي ومثقف بارز، وكان من قادة فيدرالية فرنسا.

أما الثاني فمن زيابرة أولاد عطية، نقابي بارز خاض مسيرة نضالية طويلة في فرنسا.

فمن يعرف هاتين الشخصيتين؟

اتركوا لنا الجواب في التعليقات.

——————

الشكر موصول للاخ Aden Hocine لارساله لنا الصور

بيار غريما Pierre Grimaالمعلّم القليّ-الأوروبي الذي ائتمنه أولاد مرابط على مستقبلهم التربوي والاقتصادي و الاجتماعي▪️أوت–...
08/08/2026

بيار غريما Pierre Grima

المعلّم القليّ-الأوروبي الذي ائتمنه أولاد مرابط على مستقبلهم التربوي والاقتصادي و الاجتماعي

▪️أوت–سبتمبر 1962: بين فيليب فيل (سكيكدة) و بوقارون

عقب سنة دراسية حافلة بالمفاجآت، كان آخرها الحدث السعيد المتمثل في إعلان استقلال الجزائر، وجد بيار غريما، المعلّم بمدرسة بوقارون الابتدائية في جبال القل منذ سنة 1955، نفسه في مدينة فيليب فيل، سكيكدة حاليًا، لقضاء بضعة أيام من العطلة إلى جانب والديه الطاعنين في السن.

كان غريما ابنًا لمدينة القل، ومن الأوروبيين المولودين في الجزائر، وهم الفئة التي عُرفت لاحقًا باسم «الأقدام السوداء». وعلى غرار والديه، وربما أجداده أيضًا، رأى النور وقضى طفولته في حي الجردة، وسط مدينة القل. ثم انتقل والداه، وكانا يعملان في الفلاحة، إلى فيليب فيل واستقرا بها.

لم تكن الفرص تتاح كثيرًا للشاب ذي الاثنين والثلاثين عامًا لزيارة والديه، اللذين كان يسميهما، على عادة أهل القل، «الشيوخة» (les vieux). فبوقارون، أو «آخر نقطة في المعمورة» كما كان يصفها بعض أبناء قبيلة ويشاوة، ظلت شديدة العزلة خلال سنوات الحرب.

فمنذ أحداث 20 أوت 1955 وحتى وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، كان الانتقال من بوقارون إلى فيليب فيل رحلة شاقة؛ تبدأ، إن توفرت الإمكانات، بمروحية من بوقارون إلى القل، ثم تُستكمل بحرًا من القل إلى فيليب فيل متى سمحت الأحوال الجوية بذلك. وقد تستغرق الرحلة يومين كاملين، أي ما يعادل تقريبًا زمن العبور إلى مرسيليا في الضفة الأخرى من البحر المتوسط.

وعلى خلاف أغلبية الأوروبيين الذين غادروا الجزائر على عجل خلال ربيع وصيف 1962، في ظل تسارع الأحداث وتصاعد أعمال العنف والتخريب التي ارتبطت بمنظمة الجيش السري (OAS)، لم يفكر والدا غريما، منذ اندلاع الحرب، في الرحيل إلى فرنسا.

كان لصيف 1962 طعم خاص لدى غريما، حامل ليسانس الحقوق من جامعة بوردو، والذي أمضى ثماني سنوات في التدريس في أعماق جبال القل. وبينما كان يقود سيارته في أزقة فيليب فيل، كان يتقدم أحيانًا ببطء، كأنه يريد إيقاف عقارب الساعة وإطالة أول عطلة يقضيها والجزائر مستقلة. ثم لا يلبث، وهو شارد في أفكاره، أن يضغط على دواسة السرعة، كأنما يستعجل نهاية العطلة والعودة إلى بوقارون للمشاركة في إطلاق أولى مشاريع البناء المحلي بعد الاستقلال.

كان يجري التحضير لإنشاء أول مجلس لبلدية الشرايع، التي تتبعها منطقة بوقارون، مع تنظيم انتخابات أعضائه في نوفمبر 1962. وقد شجع عدد من سكان المنطقة غريما على الترشح لتمثيلهم، حتى يواصل عمله في خدمة المجتمع الريفي، وهو العمل الذي اضطلع به، في نظرهم، خلال سنوات أكثر صعوبة.

▪️بيار غريما تحت رصاص منظمة الجيش السري

في أحد أزقة فيليب فيل الضيقة، تعرضت سيارة غريما لوابل من الرصاص. وما إن توقف إطلاق النار حتى تجمع بعض المارة حول السيارة لمعرفة حصيلة الهجوم. وبفضل خفة حركته، رغم بنيته الجسدية القوية ووزنه الذي كان يقارب ثمانين كيلوغرامًا، تمكن من تفادي الرصاص. استقرت ست طلقات في هيكل السيارة، بينما نجا هو بأعجوبة.

وبحسب ما أورده لاحقًا في إحدى رسائله، فقد نسب المحاولة إلى منظمة الجيش السري، ورأى أن مواقفه خلال الحرب وتمسكه بالبقاء في الجزائر مع أسرته بعد الاستقلال جعلاه هدفًا لها.

وبينما كان يستعيد أنفاسه، عادت إلى ذهنه بعض النقاشات الحادة التي جمعته، في أوج الحرب، بالعقيد فودري (Vaudrey)، قائد الوحدة العسكرية الفرنسية في القل التابعة للفوج الخامس والسبعين لمشاة البحرية (75e RIMa). كان العقيد يبدي استغرابه من استمرار المعلّم في العيش والعمل وسط ريف بوقارون وغاباتها، وهي منطقة كان لجيش التحرير الوطني حضور فيها. وقد فهم غريما من بعض تلميحاته أن القيادة العسكرية تشك في طبيعة علاقاته بالسكان المحليين وبالثورة.

لم يكن غريما يتردد، في المقابل، في انتقاد أساليب الجيش الفرنسي، وكان يرى أن ضعف التقدير وكثرة الاندفاع أسهما في تعقيد الوضع. غير أن تحصيله العلمي وحسن تدبيره مكّناه أيضًا من بناء علاقات ثقة واحترام مع بعض مسؤولي المصالح الإدارية المتخصصة (SAS)، ولا سيما النقيب شيرار (Scherrer). ويبدو أن هذه العلاقات قلّلت من أثر الشكوك التي أثيرت حوله، وحالت دون تحويلها إلى اتهامات رسمية.

أما فودري، فقد انضم لاحقًا إلى منظمة الجيش السري، وحُوكم غيابيًا أمام القضاء العسكري الفرنسي، ثم عاش في المنفى إلى أن توفي في بلجيكا في أواخر ستينيات القرن العشرين. أما النقيب شيرار، فأصيب بجروح خطيرة وغادر القل والجزائر سنة 1961، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال رابعة.

ومع ذلك، ظلت علاقة غريما بالقل وبوقارون أقوى من الخوف الذي خلفه الهجوم. فبعد نحو نصف ساعة من نجاته، عاد يفكر في اليوم التالي، وفي الموعد السياسي الذي ينتظره في نوفمبر 1962.

▪️نوفمبر 1962: أهالي ويشاوة يختارون غريما في أول مجلس بلدي منتخب

بعد أشهر قليلة من محاولة اغتياله في سكيكدة، خاض غريما، رفقة زملائه، حملة انتخابية لا تزال حاضرة في جانب من الذاكرة الشعبية المحلية، بهدف الفوز بأغلبية مقاعد المجلس البلدي للشرايع.

ولم يكن رصيده لدى السكان قائمًا على مواقفه الإنسانية خلال حرب التحرير فحسب؛ ففي جويلية 1962، بعيد الاستقلال بأيام، اتصل به مسؤولون من جيش التحرير الوطني في ناحية القل وعرضوا عليه منصب مفتش التعليم الابتدائي بالقل. غير أنه اعتذر عن قبول المنصب لسببين: أولهما أنه كان يرى نفسه رجل ميدان، وأن القرى والتلاميذ في حاجة إلى جهده المباشر أكثر من حاجتهم إليه في مكتب إداري؛ وثانيهما أنه كان متمسكًا، من حيث المبدأ، بأن تصدر التكليفات المدنية عن سلطة مدنية وفي إطار التشاور، لا في صورة أوامر عسكرية.

كان هذا الموقف، في نظر كثير من سكان ريف ويشاوة، استمرارًا لاستقلالية الرجل التي عرفوها خلال الحرب. أما بعض مسؤولي جيش التحرير الذين لم يسبق لهم التعامل معه، فقد فهموه بوصفه تحفظًا على السلطة الجديدة أو تشددًا في الدفاع عن استقلال القرار المدني. وهكذا نشأ تباين في الرؤية، لا في الغاية العامة: غريما كان يصر على الفصل بين المجالين العسكري والمدني، فيما كان مسؤولو المرحلة الانتقالية يعملون في ظروف استثنائية امتزجت فيها الصلاحيات وتشابكت.

عُرف غريما بميوله اليسارية وبحذره من هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وكان هذا الموقف مبدأ عامًا لديه، لا حكمًا خاصًا بشرعية طرف دون آخر؛ فقد سبق له أن رفض الخضوع للضغط العسكري الفرنسي، وظل بعد الاستقلال متمسكًا بالتصور المدني نفسه. ولم يمنعه ذلك من تقدير بعض الشخصيات ذات الخلفية العسكرية، ومن بينها الجنرال ديغول، الذي كان يراه ذا نزعة ليبرالية في بعض اختياراته.

جرت الانتخابات في سياق تنافس محلي بين قائمة غريما ورفاقه، التي قدمت نفسها على أساس الخبرة الميدانية والقرب من السكان، وقائمة أخرى دعمها القسم المحلي لجبهة التحرير الوطني. ولم يكن هذا التنافس خروجًا عن الإطار الوطني، بقدر ما كان تعبيرًا مبكرًا عن اختلاف التصورات بشأن طريقة إدارة الشأن المحلي ومعايير اختيار ممثلي السكان.

أسفرت الانتخابات عن فوز قائمة غريما بأغلبية مريحة. وانتُخب يوسف عبادة رئيسًا للبلدية، وبلقصير علاوة نائبًا أول، وبيار غريما نائبًا ثانيًا، إلى جانب عشرة منتخبين آخرين، من بينهم صويلح السعيد، وسعدون مختار، وبن سعيد مختار. وتولى غريما، على وجه الخصوص، متابعة شؤون بوقارون وتابلوط.

ضمّت القائمة رجالًا ذوي خبرة في التعامل مع شؤون المنطقة. وكان يوسف عبادة معروفًا بتكوينه وذكائه وحنكته؛ وقد سبق له أن عمل ضمن جهاز المصالح الإدارية المتخصصة، قبل أن يغادره، ثم ألقت الإدارة الاستعمارية القبض عليه وسجنته. كما سبق لغريما أن أدى وظيفة مدنية مرتبطة بدوار أولاد مرابط ضمن الجهاز نفسه، وهي تجربة وفرت له معرفة دقيقة بأحوال السكان وحاجاتهم.

▪️رسالة 19 نوفمبر 1962: غريما يروي موقفه

في ديسمبر 1962، بمدينة سان جان دو براي في منطقة أورليان الفرنسية، جلس جاك دارجون (Jacques Dargent)، الرقيب الأول السابق الذي أدى خدمته العسكرية في الجزائر وعمل جزءًا منها معلّمًا، يقرأ رسالة وصلته من صديقه وزميله السابق في مدرسة بوقارون. كانت الرسالة مؤرخة في 19 نوفمبر 1962.

كتب غريما إلى صديقه مؤكدًا أن والديه لم يذهبا إلى فرنسا، وأن الرحيل لم يكن يومًا ضمن مشروعهما. ثم روى له محاولة اغتياله في أحد أزقة فيليب فيل، واستقرار ست رصاصات في هيكل سيارته، ونجاته من الهجوم سالمًا. كما أوضح أنه رفض في جويلية منصب مفتش التعليم الابتدائي، لأن العرض جاءه من قيادة عسكرية، في حين كان يرى أن الوظائف المدنية ينبغي أن تُدار عبر المؤسسات المدنية.

وعبّر غريما في رسالته، بلهجة شخصية متأثرة باضطراب المرحلة، عن أسفه للرحيل الجماعي للأوروبيين من الجزائر، ورأى أن الخوف الذي نشرته منظمة الجيش السري، وأعمال العنف والتخريب التي ارتكبتها، أسهما في تعجيل الهجرة وفي الإضرار بمستقبل الجزائر ومستقبل الأوروبيين الراغبين في البقاء فيها.

كما شرح لصديقه طبيعة التباين القائم بينه وبين بعض مسؤولي القسم المحلي لجبهة التحرير الوطني. فقد كان يعتقد أن استقلاله في الرأي ونقده الصريح يثيران التحفظ، في حين كان القسم يدعم قائمة انتخابية أخرى. ومع ذلك، أشار إلى أن رئيس الدائرة كان مقتنعًا بقائمتهم، وأن الناخبين منحوا القائمة أغلبية مريحة. وتُظهر الرسالة أن الخلاف كان يدور أساسًا حول أسلوب التسيير المحلي وحدود السلطة، لا حول الموقف من استقلال الجزائر أو من شرعية الدولة الوطنية.

بعد أن فرغ دارجون من قراءة الرسالة، أعادها إلى غلافها، وأخذ ينظر عبر زجاج النافذة إلى الأفق البعيد، مستعيدًا محطة من حياته كانت الجزائر والقل مسرحًا لها، وكان صديقه بيار أحد أبرز وجوهها.

▪️ديسمبر 1958: لقاء بيار غريما وجاك دارجون في بوقارون

في 7 ديسمبر 1958، هبطت مروحية تابعة للحماية المدنية في مدرج منارة بوقارون، حاملة معلّمًا جديدًا إلى منطقة عزلتها الحرب وزادت تضاريسها الوعرة من صعوبة الوصول إليها. وعند نزول الرقيب الأول جاك دارجون، كان بيار غريما، المكلّف بتسيير المدرسة، في استقباله.

سارا معًا في المسلك غير المعبّد المؤدي إلى المدرسة. وبعد نحو خمسين مترًا، توقف غريما وخاطب الوافد الجديد قائلًا إن الطريق كله يقع تحت أعين «الشوّاف»، أي المراقبين الذين ينقلون الأخبار إلى قادة جيش التحرير. وأوضح له أنه، ما دام أعزل في حين يحمل دارجون رشاشًا، فقد يُفهم المشهد على أنه اقتياد له أسيرًا من طرف الجيش الفرنسي، وهو ما ينبغي تجنبه. ثم اقترح عليه أن يسلّمه سلاحه إلى حين وصولهما إلى المدرسة.

لم يتردد دارجون طويلًا، فسلم سلاحه إلى غريما. وقد فهم أنه أمام قرار إنساني وميداني ينبغي اتخاذه بسرعة، كما أدرك من اللقاء الأول ميول غريما وطريقته في إدارة العلاقة الدقيقة بين المدرسة والجيش والسكان وواقع الثورة في المنطقة.

دخل دارجون محيط المدرسة أعزل، في إشارة سلمية احترمت الأعراف التي كان غريما قد رسخها محليًا. وهكذا بدأت مرحلة جديدة لم يكن يتوقعها: العمل معلّمًا في مدرسة بوقارون إلى جانب غريما وفيزيلييه (Fusilier).

وبعد خمس سنوات، كان لا يزال يتعجب من السرعة التي سلّم بها سلاحه إلى مدني، رغم أن التدريب العسكري لقنه ألا يتخلى الجندي عن سلاحه أبدًا. وكان يبتسم كلما تذكر أنه سلّم الرشاش من دون مخزنه، من غير أن ينتبه غريما إلى ذلك، إذ لم يكن خبيرًا بالأسلحة الآلية.

▪️لمسات غريما في سنوات الاستقلال الأولى

كانت إعادة بناء النسيج الاجتماعي لدوار أولاد مرابط، وتزويده بالبنية التحتية، وإطلاق نشاط اقتصادي يخلق الثروة ويحفز السكان، من أبرز التحديات التي واجهت مجلس بلدية الشرايع. ولم يكن محو آثار الاستعمار والحرب أمرًا سهلًا، غير أن الروح الاستباقية التي اتسم بها غريما جعلته يتخذ خلال الحرب بعض الإجراءات التي ساعدت لاحقًا على ضمان الاستمرارية.

كان غريما، إلى جانب ذكائه وحنكته، متفائلًا بقرب استقلال الجزائر، ولا سيما بالنسبة إلى الجزائريين المسلمين. ففي رسالة بعث بها إلى جاك دارجون في 14 ماي 1961، لاحظ أن نفوذ العسكريين الفرنسيين بدأ يضعف، ورأى في ذلك باعثًا على التفاؤل. لكنه كان يدرك، في الوقت نفسه، أن المستقبل قد يكون أكثر غموضًا بالنسبة إلى الأوروبيين الذين لا يتبنون مواقف غلاة الجزائر الفرنسية.

وقبل الاستقلال بأشهر، وبعد عودة دارجون وفيزيلييه إلى فرنسا، بقي غريما المعلّم الوحيد في بوقارون. ومع تأخر وصول متطوع آخر من القوات البحرية، أقنع الإدارة بضرورة توظيف شاب من أبناء المنطقة، هو درداشي مكي، معلّمًا. وقد ضمن هذا الحل استمرار الدراسة، ومكّن مكي في الوقت نفسه من مساعدة والدته وأسرته بعد سجن والده. وبعد الأشهر الأولى من الاستقلال، التحق بغريما ومكي عدد من المشارقة وشباب مدينة القل، فاستمر العمل التربوي في المدرسة.

وفي سياق آخر، تفيد الشهادات التي يستند إليها هذا النص بأن دوار أولاد مرابط لم يعرف، غداة الاستقلال، أزمة داخلية واسعة مرتبطة بأبناء المنطقة الذين جندتهم الإدارة الاستعمارية ضمن صفوف الحركى. فقد كان عددهم قليلًا أصلًا، وهو ما جعل الإدارة الاستعمارية تضغط على السكان وتضيّق على منطقة معزولة جغرافيًا.

وبحسب الرواية المحلية، اقترح غريما على رؤساء الزريبات اختيار شابين تتوافر فيهما الاستقامة والولاء للجماعة والحاجة الاجتماعية، ثم عرض الاسمين على مسؤولي جبهة التحرير للموافقة. وقد سمح هذا الترتيب، وفق الرواية نفسها، بتخفيف ضغط الإدارة الفرنسية، والحد من جلب عناصر من خارج الدوار، وتجنب أي نشاط معاد للثورة داخل المنطقة. لذلك ظل التآخي سائدًا بين عائلات الدوار بعد الاستقلال.

لكن غريما وأعيان الزريبات لم يتمكنوا من منع سياسة المحتشدات بصورة كاملة. ففي أواخر ماي 1960، نجحت الإدارة الاستعمارية في فرض مشروع لتجميع نحو ألف شخص، كان أغلبهم من الأطفال، في محتشد أزغار. ولم تُنفذ العملية وفق الخطة المرسومة كاملة؛ ففي 17 جويلية 1960 لم يكن قد أُنجز، على سبيل المثال، سوى ستة أكواخ من أصل عشرين خُصصت لسكان تافرشة. ومع ذلك، عرف الدوار موجة نزوح كبيرة نحو مدينة القل، أفرغت أولاد مرابط، وريف ويشاوة عمومًا، من جانب مهم من طاقاته البشرية والاقتصادية.

في السنوات الأولى للاستقلال، ظهر تباين متزايد بين غريما، ذي التوجه اليساري والمقاربة العملية، وبين بعض أنماط التسيير التي أخذت تتشكل داخل الإدارة المحلية الجديدة. كان يرى أن البيروقراطية والتخطيط المكتبي يبتعدان أحيانًا عن حاجات الريف وعن خبرة العاملين في الميدان. أما المسؤولون الجدد، فكانوا يواجهون بدورهم تحديات بناء دولة خرجت لتوها من حرب طويلة، في ظل نقص الإطارات وتشابك الصلاحيات وضغط المطالب الاجتماعية.

ومع اتساع هذا التباين، انسحب عدد من أعضاء قائمة بلدية الشرايع تدريجيًا من الساحة السياسية، وكان غريما من بينهم. وقد عبّر في أحاديث خاصة عن تشاؤمه من طريقة التسيير، حتى إنه رأى أن مرحلة انتقالية صارمة قد تكون ضرورية لإعادة تنظيم الدولة. غير أنه كان يشك، في الوقت نفسه، في قدرة أحمد بن بلة أو هواري بومدين على أداء هذه المهمة. وينبغي فهم هذه الأحكام بوصفها آراء شخصية صدرت في سياق سياسي مضطرب، لا بوصفها حكمًا نهائيًا على تجربة الدولة الجزائرية الناشئة.

▪️من بوقارون إلى تمانارت ثم بيروت

كانت السنة الدراسية 1967–1968 آخر سنة قضاها بيار غريما في مدرسة بوقارون. وعند نهايتها، عُرض عليه منصب مدير التربية في سكيكدة، لكنه رفضه، مكررًا موقفه القديم من الوظائف الإدارية ومفضلًا العمل الميداني.

وبعد انسحابه من تسيير البلدية ثم من التعليم، وكان قد بلغ الأربعين تقريبًا، رافق غريما أهالي قرية تمانارت الساحلية في مشروع يرمي إلى جعلها وجهة سياحية وطنية. فأنشأ، بالتعاون مع بعض السكان، أكواخًا بسيطة منسجمة مع البيئة المحلية لاستقبال الزوار، وأسهم في تعريف المتعاونين التقنيين وطبقة جديدة من السياح القادمين من قسنطينة وسكيكدة وفرنسا بجمال المنطقة. وبذلك اكتسبت تمانارت شهرة واسعة، وصار غريما يُذكر بوصفه أحد رواد السياحة الشاطئية فيها.

في سنة 1970، زاره صديقه جاك دارجون برفقة زوجته ماري، وكان غريما فخورًا باستقبالهما في أحد الأكواخ. وحاولا معًا زيارة مدرسة بوقارون، غير أن المعلّمين اللذين كانا يسيّرانها آنذاك، وكانا فلسطينيين، لم يسمحا لهما بالدخول. ترك الموقف أثرًا سلبيًا لديهما، لكنه لم يغير علاقتهما بالمدرسة ولا تضامنهما الإنساني مع الآخرين.

بعد أسابيع، غادر غريما القل والجزائر واستقر في بيروت مدرسًا للغة الفرنسية. وخلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، ساعد مناضلًا فلسطينيًا مسيحيًا يدعى جمال حلاق على مغادرة بيروت بعدما أصبح في خطر، وتوجه به إلى فرنسا، حيث استضافه جاك دارجون في منزله بسان جان دو براي مدة شهرين.

وهكذا فتح غريما، ابن القل، ودارجون، الفرنسي الصديق للجزائر، بابيهما لمن احتاج إلى الحماية، بعد نحو عشر سنوات من الموقف الذي واجهاه عند محاولة زيارة مدرسة بوقارون. ولم تحتفظ الذاكرة المحلية باسمي المعلّمين اللذين منعا الزيارة، لكنها ما تزال تحتفظ باسم غريما، لما تركه من أثر في نفوس تلاميذه وسكان أولاد مرابط وريف ويشاوة.

ابتداءً من سنة 2000، انقطعت الأخبار عن بيار غريما، وبقيت رسائله وشهادات زملائه وتلاميذه وذاكرة المنطقة تحفظ جوانب من مسيرته.

--------------------------

صاحب المقال: Mourad Kezzar


بنيقوس عبد القادر وعلي بوعقادية: وجهان نقابيان بارزان من القل...قد لا يكون معروفًا على نطاق واسع أن منطقة القل أنجبت شخص...
07/08/2026

بنيقوس عبد القادر وعلي بوعقادية: وجهان نقابيان بارزان من القل...

قد لا يكون معروفًا على نطاق واسع أن منطقة القل أنجبت شخصيتين برزتا في تاريخ الحركة النقابية خلال القرن العشرين، وإن اختلف مسارهما والبيئة التي نشط فيها كل واحد منهما: علي بوعقادية، ابن دوار الزيابرة، الذي ظهر في الوسط العمالي الصناعي بفرنسا عشية الحرب العالمية الثانية، وعبد القادر بنيقوس، ابن مدينة القل، الذي وصل بعد الاستقلال إلى قيادة الاتحاد العام للعمال الجزائريين.

▪️علي بوعقادية: من الزيابرة إلى العمل النقابي في Savoie

ولد علي بوعقادية يوم 3 أوت 1903 بدوار الزيابرة، التابع آنذاك للبلدية المختلطة للقل. و تؤكد المصادر وجوده في فرنسا في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين ضمن الوسط العمالي بمنطقة Savoie.

في 29 ديسمبر 1938 أُنشئت نقابة وطنية لعمال ومستخدمي شركة الصناعات الكهروكيميائية والكهرومعدنية في بPlombières-Saint-Marcel، فتولى علي بوعقادية فيها منصب نائب الأمين العام.

وكان مقر هذه النقابة في مدينة Moûtiers، وكانت مرتبطة بهيئة نقابية وطنية حملت اسم «Confédération nationale du travail»، وهي منظمة مختلفة عن الكونفدرالية النقابية الأناركية التي عُرفت لاحقًا بالاختصار نفسه.

وتكشف قوانين هذه المنظمة عن توجه نقابي يقوم على الدعوة إلى التوازن بين رأس المال و العمل، وعلى اعتبار مصالح العمال مرتبطة بما كانت تسميه «الازدهار الوطني».

وبذلك يمثل علي بوعقادية حالة مبكرة وموثقة لمهاجر من منطقة القل استطاع الوصول إلى مسؤولية نقابية داخل أحد المراكز الصناعية المهمة في جبال الألب الفرنسية في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين.

ولا تتوفر، في حدود الوثائق التي أمكن توثيقها حاليًا، معلومات مؤكدة تكفي لإعادة بناء بقية مسيرته السياسية أو النقابية بعد سنة 1938.

▪️عبد القادر بنيقوس: من التعليم إلى قيادة الاتحاد العام للعمال الجزائريين

ولد عبد القادر بنيقوس في مدينة القل سنة 1923. درس في مدرسة قسنطينة، واتجه بعد ذلك إلى التعليم. وتشير المصادر إلى أنه كان مدرّسًا للغة العربية، وعمل بالتعليم في عدة مدن جزائرية، منها عزابة و عنابة و الجزائر.

في بداية الأربعينيات ساهم بنيقوس في نشاط حزب الشعب الجزائري في منطقة قسنطينة. ثم التحق، خلال خمسينيات القرن العشرين، بالعمل النقابي للمعلمين.

وعند تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين سنة 1956، كان من العاملين في الوسط النقابي التعليمي المرتبط بالاتحاد. بعد الاستقلال واصل بنيقوس نشاطه النقابي، وأصبح عضوًا في اللجنة التنفيذية للاتحاد العام للعمال الجزائريين، كما شغل مسؤوليات في نقابة وفيدرالية عمال التعليم.

وفي سنة 1969، وخلال المؤتمر الثالث للاتحاد العام للعمال الجزائريين، اختير عبد القادر بنيقوس أمينًا عامًا للاتحاد.

وتؤكد المصادر النقابية أنه تولى قيادة المركزية النقابية خلال فترتين متتاليتين امتدتا من 1969 إلى 1973، ثم من 1973 إلى 1978. كما تؤكد المصادر أنه كان الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين خلال السبعينيات.

ولم يقتصر نشاطه على المستوى الوطني، فقد شارك باسم الاتحاد العام للعمال الجزائريين في العلاقات النقابية الدولية. كما كان ممثلًا عن العمال في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية خلال بداية السبعينيات، وهو ما يعكس المكانة التي بلغها في التمثيل النقابي الجزائري خارج البلاد.

بعد انتهاء مهمته على رأس الاتحاد العام للعمال الجزائريين سنة 1978، انتقل إلى مسؤوليات أخرى داخل مؤسسات الدولة و الحزب. وتثبت الجريدة الرسمية الجزائرية أنه كان سنة 1979 عضوًا أصيلًا في اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني، حيث ورد اسمه ضمن القائمة الرسمية لأعضاء اللجنة المركزية.

كما تولى لاحقًا مهام مرتبطة بالحزب في ولايتي البليدة و البويرة.

وتوفي عبد القادر بنيقوس بالجزائر العاصمة في أكتوبر 1992.

----------------------------------

مرحبا بالإضافات و التصحيحات...

صاحب المقال: Aissam Lamri


البطل المنسي "بلعابد الطاهر بن أحمد" القلي: من قادة جبهة التحرير بمدينة قسنطينة و شهيد هجومات 20 أوت 1955...تكشف مقالة ن...
06/08/2026

البطل المنسي "بلعابد الطاهر بن أحمد" القلي: من قادة جبهة التحرير بمدينة قسنطينة و شهيد هجومات 20 أوت 1955...

تكشف مقالة نشرتها جريدة «لا ديبيش دو قسنطينة» يوم 26 أوت 1955 عن المكانة المهمة التي كان يشغلها الشهيد بلعابد الطاهر بن أحمد في صفوف الثورة الجزائرية بمدينة قسنطينة. وعلى الرغم من اللغة العدائية التي صيغ بها المقال، فإن المعلومات الواردة فيه تدل على أنه لم يكن مناضلًا عاديًا، بل كان، باعتراف الصحيفة الاستعمارية نفسها، أحد المسؤولين البارزين في التنظيم الثوري، وأحد قادة «حركة التحرير».

تظهر أهمية الشهيد في وصفه من طرف الجريدة بأنه من أخطر العناصر الثورية، وفي تأكيدها العثور بحوزته على أمر موقّع باسم «جيش التحرير» يتضمن تكليفه بتنفيذ مهمة محددة يوم 20 أوت 1955. كما نسبت إليه المشاركة في عدد من العمليات والهجمات التي شهدتها قسنطينة خلال تلك الفترة، وهو ما يكشف عن مستوى المسؤولية التي كان يتحملها، وعن الثقة التي وضعتها فيه القيادة الثورية.

وُلد بن العابد الطاهر بن أحمد سنة 1917 في دوار الولجة بمنطقة القل، ثم انتقل إلى قسنطينة، حيث كان يقيم منذ سنة 1938. وكان يمارس، في الظاهر، مهنة عامل في صناعة الحلويات، في حين كان يزاول نشاطه الثوري في سرية. وتُظهر هذه المعطيات صورة مناضل جمع بين التخفي داخل الحياة المدنية والعمل التنظيمي والميداني في واحدة من أهم المدن الجزائرية.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها أيضًا من كونها صادرة عن صحيفة استعمارية لم تكن تقصد تمجيد الشهيد، بل الإساءة إليه وإلى الثورة الجزائرية. غير أن مضمون المقال، رغم تحامله، يقدم اعترافًا واضحًا بأهمية بلعابد الطاهر، وبمكانته القيادية، وبنشاطه داخل صفوف جيش التحرير.

------------ نص مقال جريدة «La Dépêche de Constantine» ------------

التاريخ: 26 أوت 1955
مقتل قائد «إرهابي» في شارع Perregaux بقسنطينة

تعرف قسنطينة ساعات مضطربة منذ يوم السبت... فقد أثارت بعض الاعتداءات الذعر... وحاول «الإرهابيون» نشر الهلع فيها. غير أن جميع المحاولات، وإن أحدثت شيئًا من الاضطراب، قد باءت بالفشل. وهو فشل تُرجم إلى خسائر فادحة في صفوف «العصابات».

ففي يوم الأربعاء وقع الاعتداء بالقنبلة في شارع Gras، مصحوبًا بهجمات استهدفت عدة نقاط تقع في ضواحي المدينة.

وبلغت الحصيلة الرسمية لهذه المداهمات مقتل خمسة «متمردين». أما من جانبنا، فقد سُجلت إصابة أربعة أشخاص بجروح طفيفة، من بينهم شرطيان.

ويُضاف إلى الخمسة «الخارجين عن القانون» شخص آخر عُثر على جثته بين أشجار الصنوبر في المنصورة.

▪️مقتل قائد «إرهابي» في شارع Perregaux

صباح أمس، وفي أعقاب أحداث اليوم السابق، نُفذت عملية مراقبة في الأحياء المحاذية لمجرى وادي الرمال.

وفي شارع Perregaux، كان رجال الشرطة يؤدون مهمتهم. وعند مستوى المنزل رقم 72، في الساعة العاشرة والنصف صباحًا، استوقفوا شخصًا، فلم يكن جوابه سوى أن أدخل يده في جيبه وأخرج مسدسًا من نوع «Colt» عيار 12 ملم.

وببرودة أعصاب مثيرة للإعجاب، واحتقار تام للخطر، اندفع شرطي شاب نحو الرجل، وأمسك به من وسطه، ثم أسقطه أرضًا بواسطة حركة عرقلة بالساق... غير أن «الخارج عن القانون» ظل ممسكًا بسلاحه، فأطلق رجال الشرطة النار عليه...

وقد عُدّت العملية ناجحة، لأن الشخص الذي قُتل كان «إرهابيًا» من أخطر العناصر و«قاتلًا» ذا سمعة سيئة. ومما يثبت ذلك بشكل قاطع أن رجال الشرطة عثروا بحوزته على أمر موقّع باسم «جيش التحرير»، يكلّفه بإعدام أحد الأعيان «الفرنسيين المسلمين» المعروفين في مدينتنا. كما كان الأمر يحمل العبارة التالية:

«يُنفّذ يوم 20 أوت».

وُلد «المتمرد» بلعابد الطاهر بن أحمد سنة 1917 في دوار الولجة، بالقرب من القل. وكان يقيم منذ سنة 1938 في العنوان: رقم 2 مكرر، شارع الفوج السابع للرماة بقسنطينة، حيث كان يمارس رسميًا مهنة عامل في صناعة الحلويات.

غير أنه كان، في الخفاء، يمارس نشاطًا مناهضًا لفرنسا، وكان أحد قادة ما سُمّي بـ«حركة التحرير».

وقد تأكد هذا الأمر لأن بلعابد كان، وفقًا لما ذكره أقاربه، كثير الغياب عن منزله في الآونة الأخيرة، وهو ما يبرر الاعتقاد بأنه شارك في عدد كبير من الهجمات والاعتداءات التي نُفذت خلال الأيام الأخيرة.

ونتقدم بتهانينا دون تحفظ إلى جميع قوات الأمن على الطريقة التي تقود بها مكافحة «الخارجين عن القانون»، وهي مكافحة تسجل خلالها المزيد من النقاط يومًا بعد يوم.

------------ انتهى ------------

صاحب المقال: Aissam Lamri



المجاهد سي عبد العزيز نطور رحمه الله يروي لنا أحداث 20 أوت في القل...في شهر أوت 2008، وقبل وفاته ببضعة أشهر، منحنا (المح...
06/08/2026

المجاهد سي عبد العزيز نطور رحمه الله يروي لنا أحداث 20 أوت في القل...

في شهر أوت 2008، وقبل وفاته ببضعة أشهر، منحنا (المحاور هو الأستاذ مراد قزار) سي عبد العزيز نطور ، المعروف بالقائد سي عزيز، قائد مجموعة المجاهدين التي كانت مكلفة بالسيطرة على وسط مدينة القل خلال هجومات 20 أوت 1955، مقابلة ننشر فيما يأتي بعض مقاطعها.

مراد: يُقال إنه لم يكن هناك إجماع حول فكرة الهجوم التي اقترحها زيغود يوسف. فكيف جرى التحضير للهجوم في القل؟

سي عزيز: كان ممثلنا في اجتماع الزمان هو الشهيد بكوش لخضر. وقد رافقناه إلى المكان المعروف باسم «الكيلومتر 21»، الذي يحمل اليوم اسم أحمد سالم، قبل أن يتكفل به إخوة آخرون.

أما أول اجتماع تحضيري في القل، فقد ترأسه الشهيد عمار شطايبي، الذي عيّنه زيغود يوسف لقيادة العمليات في القل.

و كان على سبعة عشر مناضلًا من جبال القل، من بينهم بكوش لخضر وساسي نطور و أنا، أن يتولوا تعبئة سكان القرى وإعدادهم للسير نحو هدفنا.

أما المناضلون الخمسة عشر، وجميعهم من قدماء المنظمة الخاصة، ومن بينهم رويبح الطاهر، وعياش رابح، وصاولي البشير، و الزيغد الطيب، و بوعسلة محمد، على سبيل المثال لا الحصر، فقد كان عليهم التكفل بمنطقة القل–سيدي عاشور. كان هؤلاء موجودين داخل المدينة، لأنه لم تكن هناك آنذاك منطقة جبلية منظمة بالمعنى الحقيقي، وكان عليهم أن يوفروا لنا خرائط المدينة والمواقع الحساسة والمتفجرات والمؤونة. وكان من المقرر أن يصعدوا معنا إلى الجبل بعد انتهاء الهجوم.

كنا سبعة عشر مناضلًا، وكنا نعمل ليلًا. وكانت مهمتنا تتمثل في توعية «المحبين» عبر المشاتي، من دون أن نخبرهم بطبيعة العملية أو بالهدف المحدد.

كان الوقت يضغط علينا، إذ كان من المقرر أن تمتد عملية التوعية من 13 إلى 17 أوت. ولم نتمكن من الاتصال إلا بسبع مشاتٍ من منطقة بني زيد في جبال القل، وهي:

المزهرة، و دمنة لي رمضان، ولعنينب، و الخروب، و زروبة، و الدردار، وحزايم.

كانت هذه المهمة صعبة بسبب ضيق الوقت وتسرب المعلومات. وقد اغتال المحتل اثنين من «المحبين»، هما فوفو وشخص آخر نسيت اسمه.

وفي 19 أوت، كان على كل واحد منا أن يغادر منزله بمفرده، ثم يتجه إلى المكان المسمى حزايم. وبعد ذلك سلكنا معًا الطريق المؤدي إلى المكان المعروف باسم واد لمسّاسخة، عند المدخل الجنوبي لمدينة القل.

كان عددنا 145 شخصًا، من بينهم 17 مناضلًا، أما البقية فكانوا من «المحبين». ولم يكن هؤلاء على علم بتفاصيل العملية.

ثم جاء يوم 20 أوت 1955…

في ذلك اليوم، شرع الجيش الفرنسي في تنفيذ عملية تمشيط ناحية بومهاجر، إثر خيانة. ولحسن الحظ، فإن الشخص الذي وشى بنا لم يكن يعرف شيئًا عن وجهتنا.

وبمجرد عودة الجيش إلى الثكنة، التحق بنا الإخوة الخمسة عشر القادمون من القل–سيدي عاشور، حاملين معهم الخرائط والمتفجرات والمؤونة.

وبعد أن تناولنا الطعام، وكان يتكون من السمك والبصل، قسّمنا عمار الشطايبي إلى ست فرق، كانت مزودة ببعض البنادق والفؤوس و عبوات البنزين.

خُصصت فرقتان للمراقبة، وفرقة واحدة للتخريب، وثلاث فرق للهجوم.

كانت الفرقة الأولى مكلفة بمراقبة طريق القل–سكيكدة وقطعه باستعمال الأشجار المقطوعة.

أما الفرقة الثانية فكانت مكلفة بمراقبة طريق القل–الشرايع.

وكُلّفت الفرقة الثالثة بأعمال التخريب، من خلال إحراق مستودعات الفلين، بما في ذلك مستودعات الميناء ومصنع تعليب الأسماك الذي كان يملكه عمدة المدينة آنذاك.

أما الفرق الثلاث الأخرى، التي كانت أكثر استعدادًا للعمليات، فقد كُلّفت بشن الهجوم من ثلاثة محاور:

الأولى انطلاقًا من الكورنيش، أي طريق اللوي.

والثانية انطلاقًا من الطبانة، من جهة مركز الاتصالات.

والثالثة انطلاقًا من الطبانة أيضًا، ولكن من جهة خزان المياه، وكانت هذه الفرقة تحت قيادتي.

كانت تعليمات عمار الشطايبي تقضي بالتجمع عند منتصف نهار ذلك السبت في وسط المدينة، وبالتحديد قبالة مقهى أبريا.

كانت الفرقة التي أقودها أول فرقة تدخل إلى مدينة القل.

أما الفرقة التي كان عليها الدخول من جهة الكورنيش، فقد اشتبكت مع الحارس الريفي واثنين من مساعديه. وبعد أن تلقت الدعم من الفرقة المكلفة بالهجوم من جهة مركز الاتصالات، تمكنت في النهاية من فتح الطريق بالقوة.

وبعد وصولنا إلى وسط المدينة، فرضنا عليها الحصار من منتصف النهار إلى الساعة الرابعة مساءً، أي مدة أربع ساعات.

مراد: ألم تكن مدة طويلة؟

سي عزير: نعم. لقد خاضت فرقتي حرب شوارع حقيقية في جزء كبير من شارع لموشي جمال الحالي.

واجهت أنا ورجالي دبابة، وتمكنت من إصابة أربعة من رجالي بسبب القنابل التي كان الجنود الموجودون داخلها يرمونها.

وبعد مهاجمتنا المقهى والحانة اللذين كانا يقعان في مكان مقهى بوشرك الحالي، واجهنا أيضًا مقاومة من أحد حراس الغابات، الذي كان يقيم في البناية الواقعة فوق مقهى و حمام عمران. وقد تمكنا في النهاية من قتله.

وعندما حوصرنا في شارع لموشي، وبعد أن قتلت شخصيًا أحد جنود الدبابة، استخدمنا شقته ملجأً لنا، ثم انسحبنا عبر أسطح البناية المطلة على شارع اسطنبولي مصطفى الحالي، فوق مخبزة بوعسلة مباشرة.

بعد ذلك نظمنا انسحابنا انطلاقًا من بيرقايد.

مراد: وكيف كان رد فعل الجيش الفرنسي؟

سي عزيز: لقد شُلّت حركته بفعل عنصر المفاجأة. فشن هجوم عند منتصف النهار كان عملًا جريئًا إلى درجة أنه أفقد قوات العدو قدرتها على الرد.

وكان التأثير النفسي قويًا إلى حد أن بعض المستوطنين أخذوا يصرخون بأن الجيش المصري قد نزل في الميناء.

أما تعزيزات الجيش الفرنسي، فلم تتمكن من دخول المدينة إلا عبر البحر، وبعد أن كنا قد بدأنا انسحابنا.

لقد تصرفت فرنسا بدافع الانتقام والكراهية. فقد اغتيل بدم بارد جميع المناضلين السابقين في المنظمة الخاصة وحزب الشعب الجزائري الذين كانوا موجودين داخل المدينة، حتى أولئك الذين لم يشاركوا في الهجوم.

كان المحتل يعرف ما الذي يريده. فلم يسلم منه المرضى ولا المسنون، ومن بينهم لعلع الشريف و صاولي البشير، اللذان كانا مرشحين ضمن قائمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية في انتخابات سنة 1947.

------------------------

أجرى المقابلة في أوت 2008: الأستاذ Mourad Kezzar



في القل ربما تطأ أقدامنا و تدنس رفات الشهداء، من يجيب صرخات أرواحهم...نمشي اليوم على رمال شاطئ عين الدولة، نتأمل البحر و...
05/08/2026

في القل ربما تطأ أقدامنا و تدنس رفات الشهداء، من يجيب صرخات أرواحهم...

نمشي اليوم على رمال شاطئ عين الدولة، نتأمل البحر ونسمع هدير أمواجه، لكن من يدري ما الذي تخفيه هذه الأرض تحتها؟ ربما تطأ أقدامنا رفات شهداء طاهرة، قُتلوا ظلمًا ودُفنوا على عجل، بلا قبور تحمل أسماءهم، ولا شواهد تخبر أبناءهم بمكان رقودهم.

فقد جاء في كتاب المؤرخة الفرنسية Claire Mauss-Copeaux:

La Source. Mémoires d’un massacre : Oudjehane, 11 mai 1956

أن أحد قدامى الجنود الفرنسيين، وكان قد خدم ضمن "الفوج 51 للمشاة"، حدّثها في ربيع سنة 1992 عن مجزرة قال إنه شهدها في مدينة القل يوم 20 أوت 1955.

كان هذا الجندي السابق، الذي سمته المؤلفة «Jean»، يعيش آنذاك في إقليم Vosges بفرنسا. وروى أن وحدته العسكرية كانت متمركزة في لقرارم قبل أن تُستدعى إلى مدينة القل، في خضم انتفاضة 20 أوت 1955، من أجل ما كانت السلطات الاستعمارية تسميه «إعادة النظام».

وينقل الكتاب عن هذا الجندي أنه في بداية المساء، وبعد أن قيل إن «النظام قد أُعيد»، سمع صوت جرافة تعمل بالقرب من وسط مدينة القل، في شاطئ الفتيات، المعروف اليوم بشاطئ عين الدولة.

كانت الجرافة تحفر خندقًا، وكانت بالقرب منها جثث نحو عشرين مدنيًا مصطفة على الأرض، يُشتبه في أنهم من الوطنيين الجزائريين (قيل لي أنهم من بني زيد).

ويؤكد الجندي الفرنسي في شهادته أن هؤلاء الرجال لم يسقطوا في معركة، ولم يُقتلوا خلال مواجهة مسلحة، بل كانوا أشخاصًا عزلًا جرى إعدامهم انتقامًا. وظل المشهد يطارده طوال حياته، وهو يتذكر أولئك الرجال وآباء العائلات والرهائن الذين ذُبحوا بلا رحمة.

وقد وصف ما فعله العسكريون الفرنسيون يومها بقوله: «مثل النازيين».

إنها شهادة خطيرة لا يجوز أن تمر مرور الكرام. فإن صحت تفاصيلها، فقد تكون رفات نحو عشرين شهيدًا ما تزال مدفونة إلى اليوم في محيط شاطئ عين الدولة، تحت الرمال أو تحت المنشآت التي أُقيمت في المكان لاحقًا.

ربما نمشي فوق أرض ارتوت بدمائهم، وربما تمر أقدامنا بالقرب من قبورهم الجماعية أو تطؤها دون أن نعلم. وربما لا تزال أرواحهم تصرخ في صمت المكان، مطالبة بأن تُكشف الحقيقة، وأن تُعرف أسماؤهم، وأن يُدفنوا بما يليق بكرامة الإنسان والشهيد.

من كان هؤلاء الرجال؟ ومن أي قرى وعائلات أُخذوا؟ وهل ما تزال عائلاتهم تعدّهم في عداد المفقودين؟ وأين يقع الخندق الذي حفرته الجرافة بالتحديد؟

إنها أسئلة تستوجب فتح تحقيق تاريخي وعلمي جاد. و لذلك ندعو السلطات المحلية، و وزارة المجاهدين و ذوي الحقوق، و المؤرخين، و الباحثين، و جمعيات الذاكرة، وعائلات شهداء المنطقة، إلى النظر بجدية في هذه الشهادة.

قد يكون بين هؤلاء الشهداء أبٌ انتظر أبناؤه عودته حتى فارقوا الحياة، أو ابنٌ ظلت أمه تنتظر طرقه على الباب، أو رجلٌ اختفى في ذلك اليوم ولم تعرف عائلته إلى اليوم أين قُتل وأين دُفن.

أقل ما ندين به لهؤلاء أن نبحث عنهم، وأن نصغي إلى صرخة أرواحهم، وأن نعيد إليهم أسماءهم وكرامتهم وقبورهم.

فلا ينبغي أن يبقى شهداؤنا مجهولين تحت الرمال، ولا أن نواصل السير فوق أرض قد تضم رفاتهم دون أن نسأل أو نبحث أو نتحرك.

رحم الله شهداء الجزائر...

--------------------------

يجب النشر و التفاعل على أوسع نطاق لعل الأمر يصل إلى السلطات الوصية للنظر في هذا الأمر. جزاكم الله خيرا...



Adresse

Skikda

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque القل، حضارة و تاريخ Collo, une civilisation et une histoire publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Raccourcis

Partager