18/09/2026
جولة توثيقية في أسواق الدامر
اليست المدن حجارة تصطف، ولا شوارع تمتد، ولا أسواقا تقاس بما تعرضه من سلع؛ إنما المدينة، في جوهرها، ذاكرة تمشي على قدمين، وروح تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية ولعل السوق هو أكثر الأمكنة قدرة على كشف هذه الروح؛ ففيه تتوارى الرسميات، وتسقط الأقنعة، ويظهر الإنسان في علاقته بالعمل والأرض والآخرين
من هنا جاءت جولتنا التوثيقية في أسواق مدينة الدامر، لا باعتبارها زيارة إلى فضاء تجاري فحسب، بل باعتبارها اقترابا من ذاكرة حية، تتشكل في حركة الباعة، وأصوات المنادين، وملامح العابرين، وتفاصيل المهن التي تحمل في صمتها تاريخ أجيال متعاقبة فالسوق ليس مكانا لتبادل السلع وحدها، بل هو أحد المواضع التي تتجسد فيها علاقة الإنسان بالمكان وما يعرض فيه من منتجات، وما يمارس فيه من عادات، وما يدور بين أهله من أحاديث ومساومات، يكشف عن طبقات متراكمة من التاريخ الاجتماعي والثقافي، وعن صلة الإنسان بالأرض والعمل والعيش المشترك
إن التوثيق الإثنوغرافي لا يبدأ بالبحث عن الاستثنائي، بل بالانتباه إلى ما اعتدنا المرور عليه دون تأمل
وفي أسواق الدامر، تستوقفنا سحنات الناس وملامحهم المتنوعة، بما تحمله من آثار التمازج التاريخي بين المكونات النوبية والبجاوية والعربية والافريقانية وغيرها من روافد المجتمع السوداني فهذه الوجوه، في اختلافها وائتلافها، ليست مجرد تفاصيل بصرية عابرة، بل شواهد حية على تاريخ طويل من التفاعل الإنساني، وعلى مكان ظل ملتقى للطرق والثقافات والحكايات
وإلى جانب السحنات، يكشف تنوع الأزياء والمهن وطرائق التعامل عن طبقات متعددة من الحياة الاجتماعية، حيث يتجاور الموروث مع المتغير، والتقليدي مع الحديث، في مشهد لا تفهم دلالاته كاملة إلا بالنظر إلى الإنسان بوصفه صانعا للثقافة وحاملا لذاكرة المكان
إن كل سوق يحمل ذاكرة تتجاوز جدرانه وكل تاجر قد يكون شاهدا على تحولات اقتصادية واجتماعية، وكل شيخ مستودعا لرواية شفوية، وكل حرفة قد تختزن معرفة توارثتها الأجيال
وحتى التفاصيل التي تبدو عابرة، كطريقة عرض السلع أو أسماء المواضع أو العبارات المتداولة، قد تصبح غدا وثائق لا تعوض
فما لا نوثقه اليوم قد لا نجد من يرويه غدا ومن هذا الإيمان تنطلق جولتنا، لنلتقط بالصورة والصوت والحكاية شيئا من روح أسواق الدامر، لنمنح الذاكرة فرصة أخرى للبقاء
ونحن إذ نواصل هذا العمل التوثيقي، نستعد لإصدار مجموعة من الأفلام الوثائقية التي ترصد أسواق الدامر، وتستكشف ملامحها الإنسانية والاجتماعية والثقافية، في محاولة للاقتراب من المكان عبر أهله، ومن التاريخ عبر تفاصيله اليومية
إنها دعوة إلى التأمل في سوق قد نمر به كل يوم، لكننا حين ننظر إليه بعين التوثيق، نكتشف أنه يقول أكثر مما نظن
ترقبوا قريبا إصدار أفلامنا الوثائقية عن أسواق الدامر.. ففي كل سوق حكاية، وفي كل حكاية ذاكرة، وفي كل ذاكرة وطن