07/06/2026
زايو •• حلقة الوصل الخفية بين ثورتي المغرب والجزائر .
في خضم التحولات الكبرى التي عرفها المغرب خلال الخمسينات ومع تصاعد العمل المسلح ضد الاستعمار، ظهرت مناطق الريف الشرقي كمجال حيوي لاحتضان ديناميات المقاومة وتنظيمها. و يكشف نص تاريخي بعنوان ""عودة السلطان"" عن جانب مهم من هذه المرحلة، حيث يسلط الضوء على الأدوار الخفية التي لعبتها مدن ومراكز حدودية، وفي مقدمتها زايو.
ابتداء من أكتوبر من تلك الفترة المضطربة، بدأت الأسلحة والمجموعات المسلحة تتدفق نحو الناظور، التي كانت آنذاك ضمن المنطقة الخليفية الخاضعة للحماية الإسبانية. هذا الموقع منحها خصوصية استراتيجية، إذ تحولت إلى مركز استقبال وتنسيق، حيث كان ممثلو ما سمي"" بلجنة التحرير "" يشرفون على اختيار المتطوعين المغاربة والجزائريين القادمين للالتحاق بصفوف المقاومة.
بعد عملية الانتقاء، كان المجندون يوجهون إلى معسكرات التدريب في منطقة تمسمان، إحدى أهم قواعد الإعداد العسكري في الريف. هناك، يتلقون تدريباتهم قبل توزيعهم على الجبهات. فالمغاربة كانوا يرسلون لتعزيز مواقع المقاومة داخل التراب المغربي، خاصة في المناطق الحدودية، بينما كان المتطوعون الجزائريون يتجهون نحو زايو، التي تحولت إلى نقطة تجمع رئيسية بحكم موقعها القريب من الحدود الشرقية.
ومن زايو، كانت تنطلق عمليات نقل الرجال والسلاح نحو وهران، في قلب الغرب الجزائري، حيث كانت الثورة الجزائرية بقيادة جبهة التحرير الوطني في أوج تصاعدها.
هذا المعطى يعكس بوضوح مدى الترابط بين الكفاحين المغربي والجزائري، ويبرز الدور اللوجستي الذي لعبته المناطق الحدودية المغربية في دعم الثورة الجزائرية.
في هذا السياق، يشير النص إلى انسحاب القوات النظامية الإسبانية إلى الداخل، بما يتيح لمقاتلي حرب العصابات حرية التحرك، دون إثارة الانتباه إلى موقف نظام Franco فرانكو. ويعكس هذا الوضع تعقيد السياسة الإسبانية آنذاك، التي وجدت نفسها في موقع ملتبس بين مراقبة التحركات المسلحة من جهة، وغض الطرف عنها في بعض الأحيان، خاصة في ظل تنافسها مع النفوذ الفرنسي في المنطقة.
تندرج هذه الأحداث ضمن المرحلة التي أعقبت نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953م، والتي شهدت تصاعد المقاومة المسلحة في مختلف أنحاء المغرب، بالتوازي مع اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1954م. وقد تحولت الحدود المغربية الجزائرية إلى فضاء مفتوح للتنسيق والتعاون، حيث لم تكن المعركة ضد الاستعمار ذات طابع قطري ضيق، بل كانت جزءا من نضال مغاربي مشترك.
إن ما يكشفه هذا النص لا يقتصر على سرد حدث عابر، بل يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها زايو خلال هذه المرحلة، باعتبارها مركز عبور وتنظيم، وفضاء لالتقاء المقاومين من ضفتي الحدود. وهو ما يمنح لهذه المدينة موقعا متميزا في الذاكرة التاريخية للمقاومة، ويجعلها واحدة من الحلقات الأساسية في شبكة الدعم التي ساهمت في تغذية الكفاح المسلح في المغرب والجزائر على حد سواء.
نورالدين شوقي _ كبدانة •• التاريخ والتراث