25/04/2026
أَتَعْلَمُ يَا أَبِي..
أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ عَلَّمَنِي التَّمْثِيلَ !
نَعَمْ، لَا تَنْظُرْ إِلَيَّ هَكَذَا..
أَنْتَ مَنْ عَلَّمَنِي كَيْفَ أَبْتَسِمُ وَأَنَا مَكْسُورٌ،
وَكَيْفَ أَقُولُ: "أَنَا بِخَيْرٍ" وَأَنَا أَغْرَقُ،
وَكَيْفَ أُخْفِي دُمُوعِي؛
لِأَنَّ الرِّجَالَ فِي قَامُوسِكَ لَا يَبْكُونَ وَلَا يَحْلُمُونَ!
كُنْتَ تَقُولُ لِي:
"مُمَثِّلٌ؟ مَا هَذَا الْعَارُ! مَا هَذَا الْجُنُونُ!
هَلْ يَبْنِي الْمَسْرَحُ بُيُوتًا؟
هَلْ يَصْنَعُ الْحُلْمُ رَجُلًا؟
التَّمْثِيلُ لَا يُطْعِمُ خُبْزًا!"
حَسَنًا.. وَمَاذَا أَطْعَمَنِي الْخَوْفُ يَا أَبِي؟
مَاذَا أَطْعَمَنِي الصَّمْتُ؟
مَاذَا أَطْعَمَنِي عُمْرٌ أَعِيشُهُ وَأَنَا أُرَبِّي حُلْمِي فِي الظَّلَامِ،
كَأَنَّهُ شَيْءٌ مُخْجِلٌ أَوْ جَرِيمَةٌ؟
أَتَذَكَّرُ يَوْمَ رَأَيْتَنِي أَقِفُ أَمَامَ الْمِرْآةِ وَأُمَثِّلُ؟
ضَحِكْتَ..
وَقُلْتَ لِأُمِّي:
"انْظُرِي، ابْنُكِ جُنَّ!"
نَعَمْ، جُنِنْتُ!
جُنِنْتُ لِأَنَّنِي كُنْتُ أَرَى الْمَسْرَحَ وَطَنًا،
وَأَنْتَ كُنْتَ تَرَاهُ عَارًا!
كُنْتُ أَرَى النُّورَ،
وَأَنْتَ كُنْتَ تُطْفِئُهُ كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ!
لِمَاذَا يَا أَبِي؟
لِمَاذَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ النُّسْخَةَ الَّتِي تُرِيدُهَا أَنْتَ؟
لِمَاذَا لَمْ تَرَنِي كَمَا أَنَا؟
أَنَا لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ طَبِيبًا وَلَا مُهَنْدِسًا وَلَا شَيْئًا يَجْعَلُكَ تَفْتَخِرُ أَمَامَ النَّاسِ..
كُنْتُ أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَفْتَخِرَ أَنَا بِنَفْسِي!
تَعْلَمُ مَا هُوَ الْأَسْوَأُ؟
أَنِّي صِرْتُ كَمَا تُرِيدُ!
أَذْهَبُ إِلَى مَكَانٍ لَا أُحِبُّهُ،
أَرْتَدِي وَجْهًا لَا يُشْبِهُنِي،
وَأُصَفِّقُ لِلنَّاسِ وَهُمْ يُحَقِّقُونَ أَحْلَامَهُمْ،
بَيْنَمَا أَنَا أَدْفِنُ حُلْمِي كُلَّ يَوْمٍ بِيَدِي!
مُضْحِكٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
أَنَا الَّذِي كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ مُمَثِّلًا..
أَصْبَحْتُ أَعْظَمَ مُمَثِّلٍ فِي الْعَالَمِ!
أُمَثِّلُ أَنَّنِي رَاضٍ..
أُمَثِّلُ أَنَّنِي سَعِيدٌ..
أُمَثِّلُ أَنَّنِي سَامَحْتُكَ!
لَكِنِّي لَمْ أُسَامِحْكَ يَا أَبِي..
لِأَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْ حُلْمِي فَقَطْ،
أَنْتَ قَتَلْتَ ذَلِكَ الطِّفْلَ الَّذِي كَانَ يَقِفُ أَمَامَ الْمِرْآةِ،
وَيُصَدِّقُ..
أَنَّهُ سَيُصْبِحُ شَيْئًا عَظِيمًا يَوْمًا مَا!
كِتَابَةُ: عَبْدُالرَّحْمَنِ فَرْجَانِي