10/09/2026
أجلس في ظُلمة النهار،
بين فنجان قهوتي ودخان سيجارتي،
وكأن النهار اليوم قرر أن يخلع نوره
ويجلس بجواري صامتًا.
لا أدري لماذا أحب الجلوس هكذا،
وحيدًا،
أراقب فنجان القهوة وهو يفقد حرارته ببطء،
وأراقب دخان سيجارتي وهو يصعد أمام عيني
ثم يختفي دون وداع.
ربما لأنني أصبحت أشبه به…
أظهر للحياة كأنني بخير،
أحترق من الداخل،
ثم أختفي قليلًا
حتى لا يرى أحد ما تركه الاحتراق بداخلي.
أرفع الفنجان،
آخذ رشفة طويلة،
وأترك المرارة تستقر على لساني
غريب أمر القهوة،
تشبه بعض الذكريات تمامًا؛
كلما ظننت أنك اعتدت مرارتها،
تكتشف أنها ما زالت قادرة على أن تؤلمك
بنفس الطعم الأول.
أضع الفنجان أمامي،
وأمد يدي إلى سيجارتي،
ثم أسأل نفسي:
متى أصبحنا نحتاج إلى أشياء صغيرة
كي نحتمل أشياء كبيرة؟
فنجان قهوة
سيجارة
أغنية قديمة
صورة عابرة
رسالة لم نرسلها
ومكان فارغ بجوارنا
نتظاهر أننا لم نلاحظه.
أحيانًا أتحدث مع نفسي كثيرًا،
ليس لأنني أحب الوحدة،
ولكن لأنني تعبت من الكلام مع أشخاص
يسمعون صوتي ولا يسمعونني.
أعاتب نفسي،
وأصالحها،
وأحيانًا أخاصمها…
أسألها لماذا تعلقت؟
ولماذا صدقت؟
ولماذا أعطت من قلبها أكثر مما يجب؟
ثم لا أجد إجابة.
فأشعل سيجارتي،
وكأنني أقول لنفسي:
دعينا نصمت قليلًا
فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة،
بل تحتاج فقط إلى قلب
يتعلم كيف يعيش معها.
وفي صمت هذا النهار،
تبدأ الوجوه في العودة
صديق قديم،
ضحكة بعيدة،
جلسة لم أكن أعرف أنها ستكون يومًا ذكرى،
وحبيب مرّ من هنا ذات يوم
وترك شيئًا منه في قلبي
ولم يأخذه معه حين رحل.
وأبدأ أفكر فيهم جميعًا
في أصدقائي الذين أخذتهم الحياة بعيدًا،
وفي أحبتي الذين أصبح الوصول إليهم
أصعب من مجرد مكالمة هاتفية.
أفكر في الذين كنا نعرف تفاصيل أيامهم،
ثم أصبحنا لا نعرف حتى
إن كانوا بخير أم لا.
كم هو مؤلم
أن يتحول شخص كان جزءًا من يومك
إلى مجرد اسم
تراه أحيانًا في ذاكرتك.
وأتساءل:
هل البُعد هو الذي يغير الناس؟
أم أن الأيام فقط تكشف لنا
أن بعض القرب كان مؤقتًا منذ البداية؟
لا أعرف
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أن هناك أشخاصًا مهما ابتعدوا،
تظل لهم كراسي محفوظة في القلب.
كراسي لا يجلس عليها أحد غيرهم،
ولا نستطيع أن نضع عليها شخصًا آخر،
حتى لو مرّت السنوات.
وهكذا أجلس
قهوتي أمامي،
سيجارتي بين أصابعي،
والنهار حولي مليء بالنور،
لكنني لا أرى منه شيئًا.
لأن بعض العتمة
لا تأتي من غياب الشمس
بعض العتمة تأتي حين يغيب من كنا نرى الدنيا بهم.
✍️